الإنسان الروح

الإنسان الروح
قال سبحانه(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)
مهما حاول صاحب العقل أن يدرك بعض الأسرار الممنوعة عنه فإنه لن يصل إلى هدفه ولن يحقق مراده لأن هناك أموراً خارجة عن حدود العقل والتصور والإدراك حيث جعلها رب العالمين سراً من أسراره فلم يرغب بأن يطلع عليها الخلق لأنها شأن من شؤونه الخاصة، ولا شك بأن وراء إخفاء تلك الأسرار مصلحة للإنسان الذي يخضع بتكوينه لبعض الحدود المرسومة له من قبل الخالق سبحانه والذي لا يستطيع أن يعرف كل شيء حيث لا طاقة للقوة العقلية الموهوبة له أن تستوعب جميع الأمور، فلقد حاول الناس عبر مرور الزمن أن يصلوا إلى حقيقة الروح أو يتمسكوا بطرف الحبل الموصل لها فعجزوا عن ذلك لأن الحياة والموت بيد الخالق وحده ولا يُسمح للإنسان بأن يتصرف بتلك الخصوصيات، ما تجب معرفته هو أن الروح سر عميق من أسرار الخالق وأنها المصدر للحياة وأنها تستخدم البدن من حاجاتها وأنها هي المسؤولة والمعنية وليس الجسد الذي هو آلة تستخدمها الروح، هذه الروح التي عرّفها بعض علماء النفس بأنها جوهر ملكوتي يستخدم البدن في حاجاته.
وكل الخطابات والتكاليف الموجهة للإنسان إنما هي موجهة إلى روحه المشتملة على القلب والعقل والحواس وإن كان يعتبر بعض علماء النفس بأن العقل والقلب والروح شيء واحد، ونحن بدورنا لا نوافقهم على هذا الرأي القابل للنقد لأنه لو كانت هذه القوى الثلاث واحدة لصح استعمال أحدها للتعبير عن الآخر، وهذا غير وارد إذ لا يصح أن تنسب التفكير إلى الروح ولا يصح أن تنسب الحب والكره وغيرهما من المشاعر إلى العقل وإن كان له دور فيها في بعض الأحيان، والصحيح هو أن الروح شيء والعقل شيء والقلب شيء والنفس شيء وإن كان هناك بعض القواسم المشتركة بين الجميع.
فقد يكون هناك اشتراك بين العقل والقلب في بعض الموارد التي تتطلب إشغالهما معاً كموضوع الحب القائم على شيء من قوى القلب وشيء من قوى العقل، بينما نجد بعضهم يستسلم لأهوائه القلبية تجاه بعض المشاعر فلا يسمح للعقل بأن يتدخل في الحكم أو التدبير في هذه القضية أو تلك.
وقد يكون هناك اشتراك بين القلب والحواس كمن يشعر بالحب عن طريق استعمال بعض الحواس الخاصة بالنفس.
وقد يكون هناك اشتراك بين الحواس والعقل وذلك إذا أُعمِل العقل في بعض المحسوسات.
وجميع هذه القوى تتعلق بالروح لأنها المحرك الأول لجميع الأعضاء والقوى إذ لولا وجود الروح لما كان هناك عقل ولا حواس ولا شعور.
ويصعب على أي عالم أو باحث أو محقق أو مدقق أن يبيّن وظيفة كل قوة من هذه القوى وذلك لوجود ترابط بينها في كثير من الموارد، هذا كله بالإضافة إلى وجود السر الإلهي في جميعها، فنحن ابتدأنا الكلام بكون الروح سر من أسرار الله تعالى وكذلك الكلام نفسه يجري على العقل والقلب والحواس.



